أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

200

العقد الفريد

أتكونون كمن طرفت « 1 » عينيه الدنيا ، وسدّت مسامعه الشهوات ، واختار الفانية على الباقية ، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه ، من تركتكم هذه المواخير « 2 » المنصوبة ، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر ، والعدد غير قليل . ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج « 3 » الليل وغارة النهار ؟ قرّبتم القرابة ، وباعدتم الدّين ؛ تعتذرون بغير العذر ؛ وتغضون على المختلس ؛ كلّ امرئ منكم يذبّ عن سفيهه ، صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا ؛ ما أنتم بالحلماء ، ولقد اتبعتم السفهاء ، فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم ، حتى انتهكوا حرم الإسلام ، ثم أطرقوا « 4 » وراءكم ، كنوسا في مكانس « 5 » الرّيب ؛ حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا . إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله ، : لين في غير ضعف ، وشدة في غير عنف ، وإني أقسم باللّه لآخذنّ الوليّ بالمولى ، والمقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والصحيح بالسقيم ؛ حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد ! أو تستقيم لي قناتكم . إنّ كذبة الأمير بلقاء مشهورة فإذا تعلقتم عليّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي . من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له ؛ فإياي ودلج الليل ، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه ، وقد أجّلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم ؛ وإياي ودعوى الجاهلية ، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه . وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة ، فمن غرّق قوما غرّقناه ، ومن أحرق قوما أحرقناه ، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه ، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيا . فكفوا عني ألسنتكم وأيديكم ، أكفّ يدي ولساني ؛ ولا يظهرنّ من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم إلا ضربت عنقه . وقد كانت بيني وبين قوم إحن « 6 » فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي ؛ فمن كان محسنا فليزدد في

--> ( 1 ) طرفت عينيه الدنيا : أي مالت ببصره إلى زخرفها . ( 2 ) المواخير : مجامع أهل الفسق والفساد . ( 3 ) دلج الليل : سار من أوله . ( 4 ) أطرقوا وراءكم : اقتدوا بكم . ( 5 ) المكانس : جمع مكنس ، وهو الموضع يؤوي إليه ويختبأ فيه . ( 6 ) إحن : أحقاد .